يعتبر الإرشاد والعلاج عبر الشخصي أحد الاتجاهات الحديثة في علم النفس المعاصر ومن أهمها وذلك لقوة تأثيره في النفس البشرية ونجاح تطبيقاته من خلال تعزيز قوة اليقين بالله وقد ظهر هذا الاتجاه العلمي في أواخر ستينات القرن العشرين على يد عدد من الباحثين ، من أبرزهم Abraham Maslow وStanislav Grof.
وقد جاء هذا الاتجاه استجابةً لرغبة بعض علماء النفس في دراسة الجوانب التي تتجاوز حدود الشخصية الفردية مثل إدراك المعنى والقيم العليا والتجارب الروحية والتأمل ، والتواصل مع الله ، أو مع الكون ( حسب بعض الفلسفات الشرقية ) في البحث عن الغاية من الوجود .
إن الإرشاد و العلاج النفسي عبر الشخصي يري أن الإنسان ليس مجرد جسد وعقل وانفعالات ، لكونه يحمل بعدًا أعمق يتعلق بالوعي والروح و فهم المعنى من تحديات الحياة كونه يهتم بمساعدة الفرد على اكتشاف ذاته و إدراك رسالته في الحياة للوصول به لتحقيق السلام الداخلي وذلك بالتصالح مع ذاته من خلال اليقين وفهم تحديات الحياة وكيفية مواجهتها بطرق سوية .
ومع انتشار هذا الاتجاه ، ظهرت الحاجة إلى إعادة صياغته بما يتوافق مع الرؤية الإسلامية ، خاصة أن بعض تطبيقاته استندت إلى فلسفات شرقية أو ممارسات لا تنسجم مع العقيدة الإسلامية ومن هنا بدأ بعض الباحثين المسلمين في تطوير نموذج يجمع بين الأسس العلمية للإرشاد و العلاج النفسي وبين القواعد القرآنية والقيم الربانية.
ومن أبرز الباحثين في ذلك ا. د/ محمد عويضه استاذ الطب النفسي بطب الأزهر الذي له دور بارز في ذلك حيث عمل جاهدا علي تغيير المفاهيم والمصطلحات العائدة إلى الفلسفات الإلحادية إلى مفاهيم ومصطلحات مستمدة من المفاهيم والمصطلحات الإسلامية .
و دعمت د/ آسيا خليفة الجري الاستشاري النفسي والتربوي ذلك لكونها تسلك نفس التوجه مما جعل لها دور متميزا في تعزيزه وساعدها في ذلك عملها في جامعة الكويت ورئاستها لجمعية علم النفس الكويتية وأيضا من خلال كونها عضو مجلس ادارة رابطة الاجتماعيين الكويتية ورئيسة تحرير مجلة الإجتماعيون الكويتية أكبر الأثر في تركيزها علي دمج أبرز النظريات النفسية مع المنظور الإسلامي الروحي عبر مؤلفاتها الأكاديمية و بالأخص مؤلفاتها النفس تأملية التي لاقت استحسانا واسعا وتمت ترجمتها إلى لغات عدة وتفوقها بها مما جعل كتاباتها تصل إلى العالمية وحرصها بأن تصل لجميع الناس للاستفادة ، ومن أهم الأسباب التي ساعدت على انتشار كتاباتها النفس تأملية كونها تجاوزت حدود الثقافات والمذاهب والأديان وكافة أشكال العنصرية بتركيزها على مخاطبة جوهر الإنسان وهي الروح التي تستيقن بفطرتها وجود الله مستندة إلى الآية الكريمة (١٧٢ ) من سورة الأعراف :﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ﴾ ، واستنادا إلى الحديث الشريف : قال رسول الله ﷺ: (ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه) رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وركزت د/ آسيا الجري علي أهمية إدراك الإنسان لرسالته في الحياة وفهم المعني من وراء تحديات الحياة ومشكلاتها حتى تصل به إلى السلام الداخلي أينما كان ، واعتبرت أن النفس البشرية مخيفة دون وجود الصلة الروحية مع الله ولا يمكن تهذيبها ، فقد تردع القوانينُ الإنسانَ في العلن، لكن مراقبة الله تهذّب النفس في السر والعلن؛ فحين تستقيم صلتها بالله، يصبح ضميرها رقيبًا عليها ولو غاب رقيب البشر.
فكان لكتاباتها تأثير بالغ على الكثيرين و قد ترجمت كتاباتها إلى لغات عدة مما ساهم في تعزيز نشأة ما يمكن تسميته بـ الإرشاد النفسي الروحي ، وهو منهج يربط الصحة النفسية بسلامة العلاقة مع الله تعالى ، ويرى أن الإنسان يتكون من جسد ونفس وروح ، وأن التوازن بينها جميعًا هو أساس الصحة النفسية .
ومن ناحية أخريى يوضح ا.د محمد عويضه أن هذا المنهج يستند علي مبادئ قرآنية أصيلة، منها:
* اليقين بالله كمصدر للأمان النفسي .
* الذكر كوسيلة لطمأنينة القلب .
* التوكل علي الله لتخفيف القلق والخوف .
* الرضا لتجاوز الصدمات والأزمات .
* التوبة لتحرير النفس من مشاعر الذنب السلبية .
* الشكر والامتنان لله لتعزيز الصحة النفسية والمرونة الانفعالية .
* التفكر والتدبر لتنمية الوعي و فهم المعنى لما يمر به الإنسان من تحديات ومعرفة ماهية رسالته في الحياة وأضاف استناده إلى قول الله تعالى :﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
ويؤكد ا. د محمد عويضة كونه ا.د الطب النفسي ،أن هذا النموذج لا تُفصل الروح فيه عن الإرشاد النفسي و لا عن العلاج النفسي ، ولا يُنظر إلى الإيمان بوصفه أمرًا ثانويًا ، فهو يُعد عنصرًا أساسيًا في بناء التوازن النفسي ، مع الاستفادة من الأساليب العلمية المعتمدة في الإرشاد والعلاج النفسي المعاصر ما دامت منسجمة مع القيم الإسلامية .
ويشرح ا.د محمد عويضة أن هذا المنهج انتقل من مجرد الاهتمام بالإرشاد و علاج الأعراض النفسية إلى مساعدة الإنسان على اكتشاف المعنى ، وإحياء الأمل عنده من خلال تعميق الصلة بالله ، ليصبح الإرشاد و العلاج النفسي الروحي منهجًا متكاملًا يجمع بين العلم والإيمان ، وبين فهم النفس وهداية القلب ، وبين التعافي النفسي والارتقاء الإنساني .
ولا يقتصر اسهام أ. د.محمد عويضة في نظرية الإرشاد و العلاج النفسي عبر الشخصي على أسلمة مفاهيمها ومصطلحاتها بل إنه أضافها واعتمد العمل بها وذلك ( بعد العديد من الأبحاث العلمية التي أجراها على المرضى من ذوي الاضطرابات النفسية المختلفة ) ليصمم بذلك عشرة قواعد وأربعين درسا لتنقية القلب للسير في رحلة الشفاء ومعرفة الله عز وجل حيث إن ا.د محمد عويضة يؤمن بأن :
الكائن الحي + الإيمان بالله = إنسان
وبذلك تطورت نظرية الإرشاد والعلاج النفسي عبر الشخصي لتصبح نظرية الإرشاد والعلاج النفسي الروحي.
ا. د / محمد عويضه و د/ آسيا خليفه الجري
ا.د الطب النفسي الاستشاري النفسي والتربوي